
تردد قليلًا، ثم نظر إليّ، وكأنه يطلب مني الإجابة لكنني لم أتكلم.
عاد بعينيه إليها وقال بلطف
أنا شخص جاء ليساعدك على أن تصبحي بخير.
ظلت تنظر إليه لثوانٍ، ثم همست
هل سيؤلمني ذلك؟
ابتسم رغم ارتباكه وقال
لا لن يؤلمك. أنا من سيتعب قليلًا أما أنتِ فستنامين، ثم تستيقظين أفضل.
أغمضت عينيها ببطء، وكأنها قررت أن تثق، ثم ضغطت على يده قليلًا
وكانت تلك الضغطة الصغيرة كفيلة بأن تغيّر كل شيء.
وقفتُ أراقب المشهد
وأشعر أنني أشاهد حياة تُعاد كتابتها أمامي.
لم يكن الأمر مجرد إنقاذ طفلة
بل إعادة ترتيب لسنواتٍ كاملة بُنيت على يقينٍ ظننّاه صحيحًا.
لكن لم يكن هناك وقت للأسئلة.
الحالة طارئة والوقت يضيق.
بدأ الأطباء فورًا في التحرك.
تم نقل سارة بسرعة لإجراء الفحوصات النهائية، بينما اصطحبوا ذلك الرجل إلى غرفة أخرى لاستكمال إجراءات التبرع.
كل شيء حدث بسرعة أربكتني
توقيعات، تجهيزات، أسئلة طبية سريعة ووجوه لا تتوقف عن الحركة.
أما أنا فبقيت في مكاني للحظة، وكأنني خارج الزمن.
ثم
لحقت بهم.
وقفت بجانب سريرها، أمسك يدها وأحاول أن أبدو قوية، رغم أنني كنت على وشك الانهيار.
لم يكن في ذهني سوى فكرة واحدة
أن تبقى.
دخلت الطبيبة بعد قليل، ملامحها أكثر جدية هذه المرة.
قالت إن النتائج النهائية تؤكد أن التوافق مناسب لإجراء العملية، وأن الوقت لا يسمح بأي تأجيل.
نظرت إليّ مباشرة وأضافت
هذه فرصتنا الأفضل وربما الوحيدة.
لم أتردد.
لم يكن هناك مجال للتفكير أصلًا.
أومأتُ بصمت وكأنني أوقّع على قرار لا رجعة فيه.
تم تحديد موعد العملية في صباح اليوم التالي، وبدأت الاستعدادات فورًا.
كان كل شيء يسير بسرعة غير طبيعية
وكأن الزمن نفسه لم يعد ملكنا، بل قوة تدفعنا دفعًا إلى الأمام، دون أن تسمح لنا حتى بأن نلتفت إلى الخلف.
المفروض أن العملية ستُجرى مع أول ضوءٍ للصباح.
في تلك الليلة لم أنم.
جلستُ إلى جانب سرير سارة، أراقب وجهها الصغير، أعدّ أنفاسها، وأحاول أن أُقنع نفسي أن هذا الجسد الهش قادر على تحمّل كل ما ينتظره.
كيف لطفلة في مثل عمرها أن تحمل كل هذا الألم؟
كيف لها أن تعيش كل هذه الحقيقة دون أن تدرك حجمها بعد؟
نظرتُ إليها طويلًا، وهمست في داخلي
مهما كانت الحقيقة ستبقين ابنتي.
وسيظل هذا الرابط أقوى من كل شيء.
لكنني، في أعماقي، كنت أعلم أن الصباح القادم لن يحمل مجرد عملية جراحية
بل بداية حياة جديدة
بكل ما فيها
من أمل وخوف وحقيقة لا يمكن الهروب منها.
مرّت الساعات بطيئة ثقيلة
حتى بدأ الضوء
يتسلل خافتًا من خلف النافذة.
وعندها جاء الصباح.
استيقظ الصباح مثقلًا.
هذه المرة، لم يكن الخوف وحده ما يضغط على صدري، بل إحساس ثقيل بأن كل ما خفي لسنوات بدأ ينكشف دفعة واحدة.
كانت سارة داخل غرفة العمليات.
وذلك الرجل يستعد للتبرع.
أما أنا، فجلست في الممر، أتشبث بالدعاء كأنه الحبل الأخير الذي يمنعني من السقوط.
وفجأة ظهر هو.
مرتضى.
لم يكن حضوره عاديًا.
دخل بذات النظرة التي عرفتها طويلًا برود قاسٍ، سيطرة لا تعرف الرحمة، وغضب مكتوم يتربص بكل شيء.
اقترب بخطوات حادة، وقال دون تمهيد
يبدو أنكِ لم تتعلمي شيئًا حتى بعد أن أخذتُ الحضانة منكِ.
رفعتُ عيني إليه هذه المرة ولم أنكسهما.
قلت بهدوءٍ متعب
الأمر لم يعد بيني وبينك ابنتنا بين الحياة والموت.
ابتسم ابتسامة باردة، وقال بسخرية لاذعة
ابنتنا؟ أم ابنة رجلٍ آخر؟
كانت كلماته كالسهم لكنها لم تفاجئني.
لقد علم.
لكن ما صدمني حقًا أنه لم يهتز، لم يحزن، لم يتردد بل ازداد قسوة.
اقترب أكثر، وخفض صوته
هذه الحقيقة ستدمّر كل شيء وستدمّركِ أنتِ قبل أي أحد. المحكمة لن ترحمكِ هذه المرة.
نظرت إليه طويلًا، ثم قلت بثبات
الحقيقة التي ظهرت لم تكن بإرادتي والخطأ ليس مني بل من المستشفى.
لكنه لم يكن يبحث عن الحقيقة بل عن ذريعة.
قال ببرود
لا يهمني من المخطئ ما يهمني أنني لن أسمح لكِ بالاقتراب منهما مجددًا. حصلتُ على الحضانة لأنكِ غير صالحة والآن لديّ ما هو أسوأ لأثبت ذلك.
للحظة عاد كل شيء.
المحكمة الاتهامات العجز.
لكن هذه المرة لم أنكسر.
قلت بصوتٍ هادئ لكنه حاسم
انتهى زمن خوفي منك.
تجمّدت ملامحه لثوانٍ، ثم ضحك بسخرية قصيرة، قبل أن يشيح بوجهه وينصرف.
لكنه لم يكن يعلم
أن كل شيء قد تغيّر بالفعل.
بعد انصرافه عاد الصمت يخيّم على الممر، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا، بل ثقل يضغط على الأعصاب وانتظار يلتهم الوقت ببطء قاسٍ، بينما كانت الدقائق تمر كأنها لا تنتهي.
مرّت الساعات
ببطء شديد، وكلما فُتح باب غرفة العمليات كان قلبي يقفز قبل أن تعود أنفاسي إلى صدري خائبة، ولم يكن في داخلي سوى دعاء أتمسك به.
لم أكن أفكر في شيء محدد، فقط أدعو بكل ما تبقى داخلي من قوة، بينما ظل ذلك الرجل في مكانه، صامتًا، وعيناه معلّقتان بالباب دون أن يتحرك.
كان جلوسه يوحي بأن بينه وبين تلك الغرفة عمرًا كاملًا لم يُعشه بعد، وكأنه ينتظر لحظة تعوّض كل ما فاته دون أن يملك القدرة على تغيير شيء.
حتى فُتح الباب أخيرًا، وخرج الطبيب، فوجدت نفسي أقف دون وعي، تتعلّق عيناي بوجهه بحثًا عن أي إشارة أو معنى يطمئن قلبي المرتجف.

