
رماها أعمامها في طريقٍ ترابيٍّ لسـ,ـرقة ميراثها… في البداية، ظنّت الطفلة حوراء أنّ ما يحدث لا يتجاوز كونه مزحةً واحدة من تلك المقالب التي اعتاد عمّها جاسم أن يفعلها ثم يعود بعد لحظات، مبتسمًا، ليقول لها وكأنّ شيئًا لم يكن كنتُ أمزح فقط. قالوا لها أن تنزل من السيارة قليلًا اذهبي واملئي هذه القنينة من الجدول المحرّك يسخن. نزلت مطيعة لم تشكّ في شيء. لكن الدقائق مرّت والصمت بدأ يثقل المكان والبرد تسلّل إلى عظامها الصغيرة.
وفجأة دوّى صوت محرّك السيارة بقسوة. التفتت بسرعة فرأت السيارة تنطلق بأقصى سرعة تبتعد وتترك خلفها سحابةً من الغبار التصقت بدموعها التي بدأت تنهمر. عمّي جاسم!… عمّي سعد! صرخت بأعلى صوتها وهي تركض خلف السيارة بساقين صغيرتين لا تقويان على اللحاق. لكن لم يجبها أحد اختفى الصوت وبقي الصمت. الطريق كان خاليًا تمامًا مجرد أرضٍ ترابية ممتدة، تحيط بها أعشابٌ جافة وصحراء لا نهاية لها في أطراف الأنبار. بدأت السماء تظلم سريعًا وسحبٌ داكنة تجمّعت فوقها وكأنها تنذر بشيءٍ قادم.
عندها فقط أدركت الحقيقة لن يعودوا. تركوها ببساطة. كما تُرمى الأشياء التي لم يعد لها قيمة. قبل أسابيع فقط في عزاء والديها بعد حـ,ـادثٍ مـ,ـروّع، كان عمّها يقف أمام الجميع، ويدّعي الحزن، ويقول لا تقلقوا حوراء في عيونا عمرها ما راح تحتاج شي. كلمات بلا معنى. أكاذيب قيلت بسهولة. سقطت حوراء
